محمد متولي الشعراوي

2789

تفسير الشعراوى

نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين ، أما أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون ، والمهم بالنسبة لنا أن يكون ديننا وقرآننا متضحا أمام أعيننا ، ولا يجرؤ أحد أن يميل به . « وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً » ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول ، والبهتان هو الكذب الشرس . فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولا ، ولون من الكذب غير مقبول : فأن يقول قائل عن رجل ورع : إنه شرب الخمر ، والقائل يعلم أنه كاذب ، فهذا كذب ثقيل شرس ، يتحير ويتعجب من يسمعه ؛ وهذا هو البهتان . ولم يستح ويمتنع اليهود حينما رموا مريم - الطاهرة بأمر اللّه - بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة . لقد كان ماضي مريم ناصعا ، عاشت في المحراب متبتلة لمن خلقها ؛ لذلك يصف الحق هذا البهتان بأنه عظيم ؛ لأنه جرح مريم في عرضها ، ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها . وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء ، وأبلغ بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجىء النبي القادم عيسى ابن مريم ، تماما مثل قضية البشارة برسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( من الآية 89 سورة البقرة ) ومن رحمة اللّه بمريم نفسها أن اللّه جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة ، وأن العملية كلها قد تمت ب « كن » من اللّه ، لم يجعل اللّه المسألة سرّا عن مريم فتحمل بأمر قوله : « كن » دون أن تدرى ، لا . بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية . وجاء الملك لمريم ونفخ فيها بالحمل . وعرفت هي السبب ماديا بالملك والنفخ حتى لا تتهم نفسها أو تشك بأن شيئا قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك . لقد أراد اللّه المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمرا يقطع الشك لديها ، وهي التي بشرت به - إيناسا لها - عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها :